القاضي التنوخي
55
نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة
قال : ثم حملت إلى دار البلاط ، فرأيت الأسارى ، وكأنّ وجوههم قد أخرجت من القبور ، تشهد بالضرّ [ الشديد والجهد الجهيد ] « 1 » وما كانوا فيه من العذاب [ إلى حين قدومنا ] « 2 » إلَّا أنّهم مرفّهون في ذلك الوقت ، وتأمّلت ثيابهم ، فإذا جميعها [ 20 ب ] جدد ، فعلمت أنّي منعت من الوصول تلك الأيّام حتى غيّر زيّ الأسارى [ وأصلح أمرهم ] « 3 » . وقال لي الأسرى : نحن للملكين شاكرون ، فعل اللَّه بهما وصنع ، وأو مأوا إليّ : إنّ الأمر كان كما بلغكم ، ولكنّه خفّف عنّا ، وأحسن إلينا ، بعد حصولك هاهنا . وقالوا لي كيف عرفت حالنا ؟ ومن تنبّه علينا ، وأنفذك بسببنا ؟ فقلت لهم : ولي الوزارة عليّ بن عيسى فبلغه ذلك ، فأنفذ من بغداد ، وفعل كذا وكذا . قال : فضجّوا بالدعاء إلى اللَّه تعالى للوزير ، وسمعت امرأة منهم تقول : مرّ يا عليّ بن عيسى لا نسي اللَّه لك هذا الفعل « 4 » . قال : فلما سمع ذلك عليّ بن عيسى أجهش بالبكاء ، وسجد حمدا للَّه سبحانه وتعالى ، وبرّ الرسول ، وصرفه . فقلت له : أيّها الوزير ، أسمعك دائما تتبرّم بالوزارة ، وتتمنى الانصراف عنها في خلواتك خوفا من [ 18 ط ] آثامها ، فلو كنت في بيتك ، هل كنت تقدر أن تحصّل هذا الثواب ولو أنفقت فيه أكثر مالك ؟ فلا تفعل ، ولا تتبرّم بهذا الأمر فلعلّ اللَّه يمكَّنك ويجري على يديك أمثال هذا الفعل ، فتفوز بثوابه في الآخرة ، كما تفرّدت بشرف الوزارة في الدنيا .
--> « 1 » الزيادة من ط . « 2 » الزيادة من ط . « 3 » الزيادة من ط . « 4 » في ط : الفضل .